احمد حسن فرحات
87
في علوم القرآن
يفرّق الفراهي بين المناسبة والنظام فيقول : « لقد صنّف بعض العلماء في تناسب الآي والسور ، وأما الكلام في « نظام القرآن فلم أطّلع عليه ، والفرق بينهما : أنّ التناسب إنما هو جزء من النظام ، فإنّ التناسب بين الآيات بعضها مع بعض لا يكشف عن كون الكلام شيئا واحدا مستقلا بنفسه ، وطالب التناسب ربما يقنع بمناسبة ما ، وربما يغفل عن المناسبة التي ينتظم بها الكلام فيصير شيئا واحدا ، وربما يطلب المناسبة بين الآيات المتجاورة مع عدم اتصالها ، فإن الآية التالية ربما تكون متصلة بالتي قبلها على بعد منها ، ولولا ذلك لما عجز الأذكياء عن إدراك التناسب فأنكروه ، فإنّ عدم الاتصال بين آيات متجاورة يوجد كثيرا ، ومنها ما ترى فيه اقتضابا بيّنا ، وذلك إذا كانت الآية ، أو جملة من الآيات متصلة بالتي على بعد منها . وبالجملة فمرادنا بالنظام : أن تكون السورة كلًّا واحدا ، ثم تكون ذات مناسبة بالسورة السابقة واللاحقة ، أو بالتي قبلها أو بعدها على بعد ما ، كما قدمنا في نظم الآيات بعضها مع بعض ، فكما أن الآيات ربما تكون معترضة ، فكذلك ربما تكون السور معترضة ، وعلى هذا الأصل ترى القرآن كله كلاما واحدا ، ذا مناسبة وترتيب في أجزائه من الأول إلى الآخر . فتبين مما تقدم أن « النظام » شيء زائد على المناسبة وترتيب الأجزاء . ويوضّح الفراهي فكرته هذه في كتابه الذي ألّفه لهذا الغرض والمسمى « دلائل النظام » حيث يثبت أن للترتيب والنظام حظا وافرا في كل مركّب ، لا سيما في الكلام البليغ ، ولا سيما في هذا القرآن الحكيم ، والذين يزعمون خلاف ذلك فإنهم قد أخطئوا في زعمهم ، ولم ينصفوا كتاب اللّه . . ثم يصرّح بعد ذلك بأن القرآن الحكيم كلام منظم ومرتب من أوله إلى آخره - على غاية حسن النظم والترتيب - وليس فيه شيء من الاقتضاب ، لا في آياته ولا في سوره ؛ بل آياته مرتبة في كل سورة